أحمد الشرباصي

97

موسوعة اخلاق القرآن

كما اخبر الحق سبحانه بأنه قد منّ على رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بنعمة الثبات ، وإنما تحقق الثبات لرسول اللّه بفضل اللّه ، وبما آتاه من وحيه ، وبما قصّ عليه وذكر له في قرآنه الكريم من آيات وأنباء وعظات ، ولذلك يقول في سورة الفرقان : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » . ويقول في سورة هود : « وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ » ويقول في سورة الإسراء : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا » . فاللّه تعالى قد أقرّ رسوله على الحق ، وحصنه به ، وعصمه من موافقة الكافرين ، وكان رسول اللّه يدرك خير الإدراك فضل اللّه العظيم عليه في هذا التثبيت ، ولذلك كان يدعو فيقول : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » . * * * ومن المواقف المشهودة التي تحتاج إلى الثبات ، وإلى الاعتصام بحبل اللّه القوي المتين موقف الجهاد ومقاومة الأعداء ، ولذلك جاء في سورة الأنفال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » . والثبات في الجهاد قوة معنوية لها قيمتها ، فقد يكون السلاح والعتاد في أيدي المجاهدين ، وفيهم الكثرة والقوة الحسية ، ومع ذلك يظلون في حاجة إلى ما هو أهم ، وهو القوة المعنوية المتمثلة في الثبات ، والبصراء بأمور النضال يقررون أن الثبات يكون في كثير من الأحيان السبب القوي والأخير للنصر والفوز ، فالجيوش تتقاتل وتتصارع ، والأكثر منها صبرا ودواما واستمرارا هو الذي يتغلب ويفوز ولعل هذا هو الذي جعل القرآن المجيد يحذّر تحذيرا شديدا من ترك الثبات في القتال ، ويتهدد من يتنكر لهذا الخلق الكريم بالعقاب والعذاب ، فيقول في سورة الأنفال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » . أخلاق القرآن - ( 7 )